أسطورة بغلة القبور

وحده وسط الظلام يصيح
يحيطه صوت عميق و فحيح
ليس له معين أو صديق نصيح
أين المأوى أين الملاذ .. كأنه كسيح ..
يجثو وسط الديجور المعتم القبيح ..
***
لم يكن يعلم أن خصومته مع زوجته سوف تسبب له كل هذا الألم و المعاناة .. لقد وجد نفسه فجأة ملقى وسط حفرة عميقة مظلمة في قلب الليل البهيم وسط المقابر .. البرد و الزمهرير يغلف المكان و الصمت المطبق لا يكسر سكونه سوى نباح كلاب الطرقات المتشردة .. آخر ما يذكره هو كلمات زوجته الحادة التي ما زال صداها يدوي في أذنيه كالصاعقة : - إذا لم تعجبك هذه الحياة معنا فلم تبقى كل هذه المدة بجانبنا .. كل ما عليك هو تركنا إلى حال سبيلنا .. و الذهاب حيث تحس بالسعادة و الفرح و السرور .. بعد سماعه تلك الكلمات السامة غادر البيت على الفور في وقت متأخر من الليل .. ظل يسير و يسير بغير هدى حتى وجد نفسه وسط المقابر .. بعد ذلك رآها أمامه مباشرة .. رأى بغلة القبور .. و فجأة .. فقد شعوره بكل ما حوله .. ليجد نفسه وسط حفرة مظلمة عميقة .. تحيط به أشباح شاحبة مخيفة .. وجوه قبيحة تظهر ثم تختفي .. أصوات مريعة مرعبة كأنها آتية من أعماق الجحيم .. أصوات أناس يتعذبون تحت الأرض و كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون .. يا لها من ليلة بئيسة و مخزية .. هل هو مجرد حلم .. كابوس مرعب لا ينفك أن يزول لتعود الحياة بعدها إلى مجراها الطبيعي .. لكن البشر لا يفكرون بعقل صاف و ذهن متزن و بطريقة منطقية و عقلانية سليمة خلال أحلامهم .. لا يمكن أن يتداخل عالم الواقع و عالم الأحلام إلى هذا الحد .. تحسس جدار الحفرة بيديه ليتأكد من كونه يعيش واقعا حقيقيا لا مراء فيه .. تحسس وجهه و رأسه .. تحسس جسمه بالكامل .. إنه يعيش واقعا حقيقيا .. هذا ما توصل إليه عقله بما لا يدع مجالا للشك .. و على ضوء ما توصل إليه عقله بدأ يفكر .. كيف سأخرج من هذا المأزق المرعب .. سأصرخ عاليا .. هكذا قال في نفسه .. سأصرخ حتى يسمعنى أحدهم إذا كان مارا بالقرب من هذا المكان .. تعالى صراخه فجأة ليكسر سكون المكان : ـ النجدة .. أغيثوني .. النجدة .. النجدة .. الغوث .. الغوث .. أنا " غيلاس آيت ميمون " .. عالق وسط حفرة عميقة لا أستطيع الخروج منها .. النجدة .. الغوث .. ظل يكرر صرخاته و توسلاته مدة طويلة حتى أجابه صوت عميق .. صوت غير بشري على الإطلاق .. صوت رهيب كأنه قادم من عالم الأموات : ـ لن يسمعك أحد .. أنت لا توجد بحفرة عميقة وسط المقابر كما تتوهم .. أنت في عالمنا الآن .. عالم الأموات ..
***
أجابه " غيلاس آيت ميمون " بصوت لا يخلو من الخوف و الفزع : ـ أنا فعلا أحس بالخوف .. بل مرعوب حقا من هذا المكان .. لكن عقلي لا يزال يعمل بكفاءة .. و أعرف الفرق بين الحقيقة و الخيال .. بين الصدق و الكذب .. أنا لست ميتا .. أنا حي .. و الأحياء لا يمكنهم الوصول إلى عالم الأموات بأي حال من الأحوال .. أجابه الصوت الرهيب : ـ و هل تزعم يا سيد سمير معرفة كل ما يجري من حولك في الكون كله .. هل تعرف جميع المخلوقات الموجودة و الكائنات المولودة و العوالم المعدودة .. أنت مجرد نقطة تائهة في بحر الكون الغامض العميق ..
***
 Imlil
قرية إمليل بالأطلس الكبير
بعد مرور يومين على اختفاء " غيلاس آيت ميمون " من البيت قامت زوجته بالبحث عنه في كل مكان .. لكن بدون جدوى .. بحثت في كل أرجاء قرية " إمليل" التي تقطن بها و المتواجدة بتخوم سلسلة جبال الأطلس الكبير المغربية .. تلك القرية الصغيرة التي تبعد عن مدينة مراكش بحوالي سبعين كيلومترا .. سألت كبير القرية .. بحثت في المركز الصحي الصغير .. سألت الصغار و الكبار .. و كل من تقابلهم لا تجد عندهم من جواب غير النفي .. لا يوجد طريق للوصول إلى حيث يوجد زوجها .. بعد أن أعياها التعب قررت " تاسيلت " زوجة " غيلاس " الاستعانة بفقيه القرية " الشيخ أدرار " الملم بالعلوم الباطنية و الأسرار الروحانية .. عله يجد لها جوابا لسؤالها و معرفة تشفي ظمأها و تحقق رغبتها في الوصول إلى مكان زوجها .. طرقت باب " الشيخ أدرار " عدة طرقات خفيفة متتالية .. و انتظرت هنيهة .. ليفتح الباب شيخ مهيب أشيب الشعر أبيض اللحية .. ناهز من العمر أرذله .. بادرها بابتسامة باهتة مرحبة شجعتها على بدء الكلام : _ السلام عليكم يا شيخ أدرار .. لقد جئتك في حاجة ملحة .. أمر عسير أطار النوم من جفني منذ يومين .. أجابها " الشيخ أدرار " بنظرات واثقة غامضة : الأمر عسير فعلا سيدة " تاسيلت " .. بل هو أكثر صعوبة مما يمكنك تخيله .. لقد كنت في انتظارك .. أنا أعرف أين يوجد زوجك السيد غيلاس آيت ميمون .. أعرف تماما مكان إقامته في هذه اللحظة بالذات ..
***
 chamharouch
صخرة شمهورش ملك الجن
يومان مرا و غيلاس آيت ميمون مقيم بحفرة مظلمة كئيبة .. يغالبه النوم حينا و يستيقظ حينا آخر .. فيجد بجانبه ماء و طعاما لا يدري مصدرهما .. فيروي ظمأه و يشبع سغبه .. بين الفينة و الأخرى يطل عليه كيان مجهول يكلمه بصوت رهيب .. يحدثه بكلمات غامضة مرعبة .. لم يكن غيلاس آيت ميمون يؤمن بالأساطير و الخرافات .. لذلك لم يكن منبع خوفه آتيا من الكلام الذي يحدثه به الكيان المجهول .. .. بل من واقع حاله الراهن و مصيره الغامض و الضبابية الذي تحيط به .. فكان جوابه واضحا صارما عندما خاطبه الكيان المجهول مرة أخرى .. حيث قال غيلاس : أنا لا يخيفني كلامك .. فلتعلم هذا جيدا .. أنا شخص مثقف و ذا إيمان قوي بالله .. معتقدي سليم من الترهات و الهلوسات .. لذلك فلا فائدة مما تفعله معي .. لقد كنت بصدد إعداد بحث عن تاريخ نشوء الأساطير في مجتمعي .. كنت سأناقشه في الجامعة التي أدرس بها .. أنا أحارب الأساطير و الخرافات .. لذلك لا ينفع معي أسلوبك هذا .. ران صمت مطبق على المكان .. لم يجب الكيان كعادته في كل مرة .. إذ لم يلبث غيلاس آيت ميمون أن أحس بدوار عنيف يكتنف رأسه .. ثم غامت الدنيا أمام عينيه و سقط في غيبوبة مطبقة ..
***
تملكت الدهشة كيان و جوارح " تاسيلت " بعد سماعها جواب الشيخ أدرار الذي أكد لها معرفته بمكان زوجها المختفي .. فقالت بلهفة : - أين يوجد زوجي يا شيخ أدرار .. و لماذا لم تتصل بي و تخبرني بمكانه .. رد عليها الشيخ أدرار بكلمات هادئة واثقة : أردت ألا أساهم في نجاح خطتهم .. فهذا ما يريدون حدوثه فعلا .. يريدون أن يشاهد أهل القرية ذهابي إليك و انتشار خبر اختطافه من قبل " بغلة القبور " ..أحست تاسيلت بألم يعتصر قلبها عند سماعها عبارة " بغلة القبور " .. فقالت على الفور : و هل اختطفته بغلة القبور يا شيخ أدرار ؟ .. أخبرني بالله عليك .. فقال الشيخ أدرار بهدوء مثير : سأخبرك بكل شيء .. في صباح الليلة التي اختفى فيها زوجك .. بعد عودتي من صلاة الفجر وجدت ورقة مدسوسة تحت باب منزلي مكتوبة بالزعفران الحر و تفوح منها رائحة العود و المسك .. بها عبارة
"غيلاس رأى الباس .. في كهف شمهورش مطمور الراس"
تنكمارت نسمضلن
( بغلة القبور بالأمازيغية )
..........
يتبع