دماء الموتى

بجسد نحيل ، وقدمين ثقيلتين

أخذ يجرهما جرا في شوارع

القاهرة ، في ذلك اليوم القائظ

الشديد الحرارة ، من أيام

أغسطس ، وعلي وجهه

النحيل المليء بالتجاعيد ، التي

 

حفرها الزمن ، كل بؤس

الدنيا ومرارتها .. أخذ يتنقل

من شارع إلي شارع ؛ بحثا

عن عمل ، وأصحاب المحلات

لا يكلفون أنفسهم ، مشقة الرد

عليه فقط يهزون رؤوسهم في

لا مبالاة ، وهم يتطلعون

لعينيه الزائغتين ، وملابسه

الرثة التي تفوح منها رائحة

العرق . كصورة مجسدة لليأس

، أخذ يواصل طريقه ، وهو

يشعر بسخونة الأرض تلهب

قدميه ، وقد تسللت من كعب

حذائه الممزق ، فبدا وكأنه

يسير حافيا علي الأرض

الملتهبة ، وقت الظهيرة

***

 

علي الرغم من أن أعماقي

كانت تشتعل بالحماس ؛ لممارسة

عملي الجديد في تلك القرية النائية

إلا أنني لم أتوقع أن يأتي العمل

بهذه السرعة .. ففجأة .. وفي

صباح أحد الأيام ، استيقظت القرية

كلها علي صراخ وعويل ، يملأ

أرجائها .. الأصوات تهتف في

همس : " صلاح بن الشيخ عواد

اتقتل يا أهل البلد . - وسرعان

ما انقلبت القرية كلها رأسا علي

عقب ، وأصبح مقتل " صلاح بن

الشيخ عواد " ، هو حديث أهل

البلد كلها .. " يا له من خبر

يستقبله المرء في الصباح "

هكذا هتف ت ، وأنا أنه ض من

فراشي ؛ لأباشر عملي الجديد

و .... طرقات علي الباب

ويدخل الضابط " فتحي " وهو

ويهتف : جريمة قتل بالقرية

يا سعادة وكيل النائب العام

- تناولت آخر رشفة من فنجان

القهوة ، وهتفت وأنا أربت علي

كتفه : الناس أسرع منك في

توصيل الخبر يا " فتحي "

***

علي الرغم من أن منصبه كان

يتيح له إصدار الأوامر ، وإرسال

الحملات ، إلا أنه كان وما زال

مصرا علي الاشتراك في كل حملة

تخرج من مديرية الأمن

للقضاء علي وكر جديد من

أوكار الشياطين .. تلك الأوكار

التي اتخذت من بيع الشرف

والعرض مهنة يتربحون منها

اعتدل ذلك الرجل في المقعد

الخلفي للسيارة ، وسأل الضابط

الذي يجلس بجوار سائق

العربة : كم تبقي من الوقت ؟ - اعتدل

الضابط ، وهو يجيب بسرعة : خمس

دقائق علي الأكثر يا سيادة

اللواء . - تراجع الرجل بظهره

إلي الوراء ، بجسده المليء

ووجهه المكتظ ، وراحت

أصابعه تعبث بشاربه الرفيع

وهو يتعجل تلك اللحظة ، التي

يقضي فيها علي إحدي بؤر

الفساد ، التي تفسد شبابنا

وتسيء لوطننا .. لقد أقسم بينه

 

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا