وداع

لما حلَّ اللیل، وتسلل السكون إلى جنبات المكان، واكتست الجبال بظلمة حالكة، تأهبوا للخروج في خوف ورجاء. خوفهم كان نابعا

 

من هذا الطریق الموحش الذي سیكابدونه طوال رحلتهم، ورجاءهم أن یصلوا في سلام إلى لبنان دون أسر أو اعتداء .. كانوا یقفون في صمت حول رجل طویل القامة، أجش الصوت، معلقین أعینهم به، قلوبهم تدق في عنف كأنها طبول حرب ، فيُهَيّأُ للرائي من صمتهم وخشیتهم التي ألمت بهم، أنهم كانوا یشیعون جنازة فقید منهم، أو أنهم كانوا یدركون أن موتهم أقرب لهم من وصولهم إلى لبنان في أمن وسلام .. من بینهم كان یقف شاًبا في العقد الثاني من عمره، حانت منه التفاتة نحو حبیبته، فتملكه الحزن والأسى على هذا السفر الذي سیباعد بینه وبینها إلى الأبد ربما . ظل ینظر إلیها دون إصغاء إلى تعلیمات المهرب ذو الصوت الأجش، حتى تلاقت عیناهما، و رأى الحزن والخوف باديا في عینیها البنیتین. فتمالك نفسه، ورسم على وجهه في مشقة ابتسامة صغیرة نجحت في خداعها، فظنت أنه یطمئنها .. أمرهم الُمهرب ألا یحدثوا صوتا ً في طریقهم، نظر إلى الشاب، فوجد ساعة زينت معصمه، قال له بصیغة آمرة: اخلع ساعتك .. كان الشاب یعلم أن وجود شيء كهذا في معصمه من الممكن أن یكشف تحركاتهم ویفضح وجهتهم؛ لذلك خلعها في تفهم وهدوء، فاستمر الُمهرب یقذف بتعلیماته والناس حوله، یتلقونها في صمت و إنصات ، كأن طوق النجاة یتمثل فقط في الامتثال إلى تلك التعلیمات

***

 

معي ستكونین بأمان . قال لها ذلك . لكن الطریق بین سوریا ولبنان موحش صلب، عنیف في نتوءاته وأحجاره، كأن هذا الطریق لم یسلكه بشري قط، وهذا المسكین ظن أن مرافقته لها بمذهبه العلوي وكلیته العسكریة، سیجعلها في مأمن حتى تصل إلى لبنان في سلام

 

تحميل الملف من هنا