خطوات على الضباب


لم تكن بيني تتصور أن حادثة عرضية و غير مقصودة يمكن أن تقلب حياتها رأسا على عقب .. فقد وافقت على مرافقة تشارلز إلى مزرعته حتى تكفر عن ذنبها بتسببها في كسر يده .. حيث أصرت على مساعدته في تجاوز محنته مهما تطلبها ذلك من تضحيات جمة .. فقد وقعت بين فكي أمه القاسية و خطيبته المتعجرفة .. كان عليها أن تقدم قلبها المكسور قربانا له لكي يغفر خطيئة كسرها ليده
***
:عندما تخطئ الريح
أصبحت الريح القوية ريحا هوجاء .. و لكن هذا الأمر عادي في مدينة معروفة باسم ( وندي ويلنغتون ) أي ويلنغتون ( العاصفة ) .. بعد ظهر ذلك اليوم من أيام شهر تشرين الثاني ، اليوم الذي من المفترض فيه أن يكون الوقت صيفا ، كانت السماء مظلمة و الريح تضرب الزوايا .. فاضطر المشاة إلى تزرير معاطفهم ، و إلى طأطأة رؤوسهم و هم يشقون طريقهم في الشوارع .. لكن هذه الريح بدت لا تؤثر إلا قليلا على الطلاب المغادرين كلية التجارة قرب الجامعة .. عصفت الريح في شعر بيني الأشقر فدمعت عيناها ، كانت تنزل الدرجات الأمامية العريضة بصعوبة ثم وجدت نفسها مدفوعة من الخلف على يد مراهقات فرحات يثرثرن بمرح في نهاية الفصل الدراسي .. كانت بيني تبدو كطالبة ، و لكنها في الواقع معلمة ، قطعت موقف السيارات نحو سيارتها الصغيرة الهوندا سيفيك الزرقاء ، و لحقت بها ثلاث تلميذات .. - مرحبا آنسة كريستمان .. نرجو لك عطلة ممتعة و مريحة .. أجبرت نفسها على الابتسام للثلاثة : شكرا لكم .. أيريانها مرهقة و بحاجة إلى راحة ؟ قالت فتاة أخرى و هي تدفع خصلة شعر شقراء عن وجهها : ـ لا تفكري فينا حتى السنة القادمة .. و وعدت الثالثة ، و إن عن غير قناعة : ـ سأتمرن على الآلة الكاتبة التي يملكها أبي في العطلة .. ابتسمت بيني ثانية : عظيم .. عطلة حقا .. ما أروع أن يكون المرء حرا ليفعل ما يشاء .. راقبتها الصديقات الثلاث و هي تفتح سيارتها ، و سألت إحداهن : ـ هل أنت مسافرة في العطلة آنسة كريستمان ؟ .. آنسة كريستمان .. هؤلاء الفتيات يظهرنها أكبر من عمرها فهي لم تتجاوز الثالثة و العشرين .. ردت بغموض لأنها لا تريد أن تعترف أن وجهتها وقف على القرار الذي ستتخذه الخالتان ( جيلين و دايان ) .. ـ أجل .. ساسافر إلى مكان ما .. قد تكونان حتى الآن على شجار بالنسبة للأمر .. فالخالة جيلين تريد أن ترافقها بيني إلى ( كوينزلاند ) في الجنوب ، فيما تصر دايان على أن ترافقها إلى جزيرة ( باي ) في أقصى الشمال .. و لكنها لم تقدر يوما على التوصل إلى اتفاق مع الخالى العنيدة جيلين .. قطع صوت أصغر الفتيات أفكار بيني .. و قالت بعينين مشعتين بالإثارة : ـ سيصحبني رفيقي في رحلة على يخت والده .. آمل أن تخف حدة هذه الريح اللعينة قبل أن نقلع ، و إلا أصبت بدوار بحر رهيب .. قالت أخرى : ( سيصحبني رفيقي إلى ( ديونيدين ) .. و هناك سالتقي بعائلته ) .. أصدقاء .. يا لهن من محظوظات ، كان هذا ما فكرت فيه بيني قبل ان تنسل إلى ما وراء مقود سيارتها .. إنهن محظوظات لأنهن لا يعشن مع خالات يخفن من أي صديق قد يقترب منها .. عبست و هي تتذكر عندما دعت ( تيم ) لمقابلتهما .. و كانت الزيارة الأولى و الأخيرة ، بل لم يزعج نفسه حتى بالاتصال بها مجددا .. ثم هناك غيره ممن استجوبتاه بشكل مفصل عن عائلته و أصله .. و كان ذلك محرجا لها .. عندما احتجت على ما تفعله الخالتان .. كررنا القصة القديمة نفسها و قالتا الشيء نفسه : ـ عزيزتي .. نحن نحاول حمايتك .. لولا فرار أمك مع ذلك الفتى ، لكانت على قيد الحياة اليوم .. حدقت إليها أربعة عيون زرقاء بما يُشبه الاتهام ، و كالعادة أخرستها كلماتهما .. و الواقع أنهما لم تفشلا يوما في جعلها تشعر بعقدة الذنب .. فلقد وُلدت بعد سنة من فرار والديها و زواجهما .. و عندما بلغت الثالثة من العمر أُصيبت بالسعال الديكي .. و فيما كلن والدها يقود سيارته بسرعة جنونية ليضع ابنته المريضة بين يدي الطبيب ، انعطف في منعطف جبلي بحدة .. و تدحرجت السيارة في منحدر عميق ، و ارتمت هي إلى الخارج .. أما والداها فعلقا فيها و قُتلا .. لم تكن تذكر الخالتان واقع أن والدها مات في الوقت نفسه .. فهو في نظرهما سيبقى ( ذلك الفتى ) .. و كلما كان ذكره أقل ، كان ذلك أفضل .. على أي حال ، إن اكتشافهما بأنه بلا أقارب ترك للآنسة جيلين و الآنسة دايان سكاوتر ، أمر أخذ ابنة شقيقتهما للعناية بها .. لم تتركا لبيني المجال لنسيان واقع أنها مدينة لهما .. و مع مرور السنين أصبح الواجب كلمة مفضلة على لسان الخالة جيلين خاصة .. تذكر بيني ما قالته خالتها عندما اقترحت الانتقال إلى سكن خاص بها .. ـ من واجبك العيش معنا عزيزتي .. فنحن بحاجة إلى مساعدتك .. لقد رعيناك عندما أصبحت يتيمة ، و الآن جاء دورك لرعايتنا . وافقت الخالة دايان .. حدقت إليها كالعادة عيونهما الزرقاء الشاحبة مؤنبة .. و جادلتهما بيني : ـ انتما لا تحتاجان لمساعدتي حقا .. فكلتاكما قادرتان .. على أي حال ، أنتما في الخمسينات من عمركما فقط .. أصبح صوت جيلين سكاتر باردا : ـ عزيزتي .. تعرفين أننا لا نتباحث أبدا في مسألة عمرنا .. عمزت دايان لبيني بطريقتها الشفوق العادية : ـ ألا ترين عزيزتي ؟ ليس الأمر مساعدتك لنا في المنزل فقط .. أو في الطهي ، بل الأمر هو المساعدة المالية التي تقدمينها لنا .. صاحت جيلين تقاطعها ، و عيناها تومضان : ـ اصمتي دايان ، أظننا قادرتين على الاعتماد على بيني لتفهم واجباتها .. انتهى الموضوع الآن

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا